مصطفى لبيب عبد الغني

145

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

وفي تعقيب الرازي على إنكار جالينوس وجود حمىّ تنوب كل تسعة أيام لأنه لم يشهد مثلها مع طول عهده بالطب يثبت اختلافه عن جالينوس ولا يتشكك في تشخيصه أو تهتز قناعته بخبرته الاكلينيكية إذ ليس لأن جالينوس « لا يدرى من أي خلط تكون ، ما يبطل أن توجد هذه » « 1 » . ولا يلزم بالطبع أن يكون محك قبول الرأي أو رفضه هو البرهان العقلي الاستنباطى أو الدليل الخبرى التجريبى ، والرازي يدرك بوضوح التلازم الحاصل بين الموضوعات والمناهج الملائمة لها . على أنه يلزم عنده التوقف عن الحكم متى افتقدنا الدليل والبرهان على الدعاوى وأن صدرت عن ذوى المكانه والنفوذ « 2 » . ومن ثم يظهر لنا الرازي بعقلانية الصريحة الخالية من الرياء البعيدة كل البعد عن شتى ضروب التعصب - الذي يعد المشكلة الرئسية والمفارقة المقلقة للعقل البشرى « 3 » . والرازي يدرك أن حجة المتعصب الجدلية ليست بأقوى من حجة خصمه طالما افتقدت كلتاهما إلى معيار لليقين . والرازي يحمل على المتعصبيّن المقلدين البرّانيين ، عبيد الحروف لا طلّاب المعاني الذين هم « إن سئلوا عن الدليل على صحة دعواهم استطاروا وغضبوا وهدروا دم من يطالبهم بذلك ونهوا عن النظر وحرّضوا على قتل مخالفيهم . فمن أجل ذلك اندفن الحق أشد اندفان وانكتم أشد انكتام . وإنما أوتوا في هذا الباب

--> ( 1 ) نقرأ في مذكرات الرازي الخاصة - في هذه المسألة - قوله : « قال : جالينوس : إني لم أر حمى تدور سبعا وتسعا ، ولم يرتض قول بقراط فيه . لأنه لم يمكنه أن يقول من أي خلط هي ؟ قال : ( أي جالينوس ) : وإذا كان إنسان يعود المرضى من صباه ، ولم ير هذا ، فله أن يدفعه . لي : قدر رأينا نحن حمى تنوب في كل تسعة أيام . . . وليس لأنه لا يدرى من أي خلط تكون ، ما يبطل أن توجد هذه » . ( نقلا عن : زكى إسكندر : الرازي الطبيب الاكلينكى » ص 230 - 231 ) . ( 2 ) يقول الرازي في « مقالة ما بعد الطبيعة » : « وأما من زعم أن العالم واحد وبعد ذلك عنصر لا نهاية له فلم أقف له على علة ، ولكن يقال لهم ما تنكرون من أن عوالم لا نهاية لها وراء ذلك العنصر وذلك الخلاء » . ( رسائل الرازي . نشرة كراوس ص 134 ) . ( 3 ) راجع : Gilles - Gaston Granger , La raison ' ' , p . 108 .